بحث هذه المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 23 نوفمبر 2010

التعليم الإلكتروني تحدٍّ جديد للتربويين:كيف نثبتهم أمام «الفوضى المعلوماتية؟»

  إن القوانين التي تسري على الاقتصاد، ليست كتلك التي تصلح للتطبيق في مجال التعليم، أو على الأقل هذا ما يعتقده الكثيرون من العاملين في قطاع التربية والتعليم، بيد أن النجاح الباهر الذي حققه التعليم الإلكتروني يضفي على هذه الحكمة القديمة بعدًا جديدًا، ألا وهو: يد الاقتصاد قد تغلغلت بقوة لدرجة أنها وصلت إلى القطاع التربوي، ولم تعد القضية الآن كيف نوقف هذا التأثير الاقتصادي، بل هل يستطيع العاملون في قطاع التربية التحكم في هذا التأثير، أم سيبقون عاجزين أمامه؟
أصبح الإنترنت بلا شك خلال السنوات الماضية أكبر شبكة اتصالات بين الناس والمؤسسات على مستوى العالم أجمع، وتزداد هذه الأهمية من لحظة لأخرى بديناميكية لا يمكن تخيلها، رغم ما يبدو فيه من فوضى عارمة، والقانون الوحيد الذي يخضع له حتى الإنترنت هو مدى الفاعلية (Efficiency).
ومن المعروف أن حجم الصفقات التي أصبحت تتم عبر الإنترنت يتزايد سنة بعد أخرى، وصارت هناك هياكل جديدة فيما يعرف باسم B2C (Business-to-Consumer)، أي في علاقة الجهة المنتجة بالمستهلك، وفي علاقات المنتجين بعضهم ببعض B2B (Business -to- Business)، وهذا التغير هو الذي جعل الكثير من الشركات تمارس ما يسمى (E- gineering) (الهندسة الإلكترونية)، وهو الأمر الذي يعني استغلال كل الإمكانات التي يوفرها العالم الإلكتروني الحديث لتحقيق مصالحها. ولعل أوضح المجالات التي يظهر فيها تأثير الاقتصاد ومبدأ الفاعلية هو مجال التعليم الإلكتروني.
ولكن ما هو المقصود بـ(التعليم الإلكتروني؟) هو عبارة عن مجموعة العمليات المرتبطة بالتعليم التي تتم عبر الإنترنت، مثل الحصول على المعلومات ذات الصلة بالمادة الدراسية. ومن يعتقد أن الأمر يقتصر على أن يقوم المعلم بإبلاغ التلميذ الموجود في مكان آخر عبر جهاز الكمبيوتر بما يجب أن يقوم به من واجبات، ثم يعيدها هذا الطالب إلى معلمه بعد الإجابة عنها، من يظن ذلك فإنه لم يدرك بعد جوهر هذه العملية. إذ إن التعليم الإلكتروني لا يعني مجرد استغلال الإمكانات التقنية المتاحة فحسب، بل هو عبارة عن ثورة في عالم التعليم، فعلى سبيل المثال: إذا قامت مدارس في كل من برلين (ألمانيا)، وفي مانيلا (الفلبين) والرياض (السعودية) وتورنتو (كندا) بإقامة شبكة اتصال بينها عن طريق الإنترنت، وكان تلاميذ الصف الثالث المتوسط في هذه المدارس يدرسون جميعًا موضوعًا مشتركًا، هو جغرافيا المناخ في الأقاليم المختلفة من العالم، واستمر التلاميذ طوال عام دراسي يتبادلون المعلومات مع زملائهم في بقية أنحاء العالم حول المناخ ودرجات الحرارة في أيام محددة، ومعدلات الرطوبة... إلخ، فإن الأمر سيصبح دون شك أكثر تشويقًا، لأن المعلومات تأتيهم من منبعها الأول، من أترابهم، علاوة على الشعور بأهمية المعلومات التي يتوصلون إليها اعتمادًا على تجاربهم الذاتية، وقياساتهم الفعلية لبقية زملائهم في أنحاء العالم. وهذا النوع من الدروس سيكون نابضًا بالحياة، ويؤدي إلى توسيع معلوماتهم ويجعلها أكثر تركيزًا، إضافة إلى أن الاتصال عن طريق كاميرات الإنترنت والاتصال المباشر مع زملائهم يؤدي إلى تنمية معرفتهم باللغات الأجنبية، والتعرف على أنماط معيشية مخالفة لحياتهم، مما يثري الحصص بدراسة بعد اجتماعي، ويساعد على زيادة التفاهم بين الحضارات والثقافات المختلفة.
إلى جانب ذلك فإن الاتصال بين المعلمين من مختلف القارات، وكيفية تقويمهم للتلاميذ، وطرق التعليم المستخدمة وتقبل التلاميذ للمادة من عدمه، كل ذلك سيؤدي إلى توسيع أفق العاملين في القطاع التربوي، ويحقق فوائد لا يمكن تحقيقها من خلال الدورات التربوية والتعليمية التقليدية التي تهدف إلى الرقي بمستوى المعلمين، كما أن ربط المدارس بالمؤسسات الأخرى ذات الصلة بالعملية التربوية مثل المكتبات والمتاحف، يؤدي إلى فتح آفاق تربوية وتعليمية جديدة أمام الصف الدراسي، حيث يمكن الاستماع إلى محاضرة قيمة عن تاريخ أحد العصور، مع استعراض الآثار الموجودة في متحف ما، دون مغادرة الصف، وتتوفر بذلك أيضًا إمكانية الاطلاع على الكتب الموجودة في المكتبات الإلكترونية، دون حاجة للاستعارة، ولا مراعاة أوقات دوام العاملين في المكتبة. وفي عالم اليوم كثير من النماذج الأخرى التي تجعل الدرس أكثر تشويقًا، وأقرب للواقع المعايش.
ولكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل القضية هنا هي مجرد جعل الدرس أكثر تشويقًا للتلاميذ، وأسهل على المعلمين؟ وهل أنفقت إدارة الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون في الفترة من 1995 ـ2000 ثمانية بلايين دولار أمريكي على التعليم الإلكتروني لمجرد الترفيه عن التلاميذ الأمريكيين وجعلهم يستمتعون بالحصص المدرسية؟ طبعًا لا، فالسياسيون الأمريكيون لا يعنيهم بالدرجة الأولى امتلاك كل تلميذ لخط إنترنت، بقدر إدراكهم لأهمية المشاركة في عالم الغد، أي العالم الكوني منذ البداية، وهذا العالم الكوني هو العالم الرقمي، الذي يفرض على من لا يتصل بشبكات المعلومات العزلة والبقاء في المنفى.
وهناك إجماع بين العلماء والسياسيين في جميع أنحاء العالم على أن فجوة الغد لن تكون بين الأغنياء والفقراء، بل بين الفاعلين في مجال العالم الإلكتروني، وبين المتلقين لهذا الفعل، بين أناس يقررون خيارات الاتصال المناسبة لمصالحهم، وآخرين يلتزمون بما يمليه عليهم هؤلاء، وليس أمامهم من بديل سوى الاستسلام.
وإذا كانت الشركات قد توصلت منذ فترة طويلة إلى قناعة بأنها دون الدخول في خضم العالم الجديد، فإنها تصبح عاجزة عن البقاء، ويكون مصيرها الإفلاس والزوال، فإن الأمر نفسه يجب أن يصبح بديهيًا بالنسبة لقطاع التربية والتعليم، والمقصود هنا هو أن يحتل التعليم الإلكتروني في أنظمة التعليم المدرسي ما وصلت إليه الهندسة الإلكترونية في القطاع الاقتصادي، حين أدركت المؤسسات الاقتصادية أنها جزء من كيان اقتصادي ضخم عملاق، ولم تعد مؤسسات مستقلة قائمة بذاتها (Stand-alone-Enterprise).
إن المتغيرات السريعة المستمرة والعلم المتلاحق الأنفاس الذي يظهر المعلومات على الإنترنت فور التوصل إليها، والقدرة على التعامل مع جميع أنحاء العالم، وفي خلال لحظات خاطفة، كل تلك الميزات أصبحت علامة وشعارًا يميزان المؤسسات الحديثة. وإذا ما قارنا كل تلك المتغيرات مع الصورة التقليدية للطالب القابع في صفه، يقرأ من كتاب مدرسي يحوي مادة علمية عمرها عدة سنوات، ومعلم يشرح له الدرس بأمثلة من تجاربه الشخصية عمرها عشرات السنين، فإننا نشعر أننا ننظر داخل متحف تعلو آثاره طبقات من الأتربة.
وفي حين توصلت المؤسسات الاقتصادية إلى قناعة بأن دورات تنمية معارف موظفيها تتم عن طريق العالم الإلكتروني، وأصبحت تطبق ذلك بصورة متنامية، بحيث لم تعد هناك حاجة للبحث عن مكان في دورة تدريبية تتناسب مواعيدها مع بقية الالتزامات الشخصية، وأصبحت أماكن الدراسة متوفرة دائمًا، وفي كل وقت من الليل أو النهار يستطيع الموظف الحصول على المعلومات والمذاكرة، والاختبار والحصول على الشهادة. وصحيح أن المؤسسات الاقتصادية توفر بذلك أموالاً ضخمة، كانت تضيع بسبب تغيب بعض الموظفين عن العمل للمشاركة في هذه الدورة، وتعيين آخرين ينوبون عنهم، إلا أنها مضطرة في الوقت نفسه إلى ضخ مبالغ باهظة أخرى، للحصول على برامج (سوفت وير) تتناسب مع احتياجاتهم الفعلية.
وبينما نجد الكثير من الجامعات والمعاهد العليا العريقة في بريطانيا وفرنسا وألمانيا وغيرها من الدول الأوروبية، قد افتتحت أقسامًا للدراسات الحديثة عن طريق الإنترنت، فإن هذا لا يعني أن كل هذا التطور كان نتيجة ميل وإقبال من جانب أساتذة الجامعة على هذا النوع من الدراسة، بل بناء على تفكير موضوعي بعدم جدوى إغماض العين عن التطور المقبل لا محالة، التطور الإلكتروني الذي سيفرض هيمنته على كل شيء.
وتجرى الآن عملية انتقال من أنماط التدريس التقليدية إلى التدريس باستخدام الكمبيوتر بدون الاعتماد على الإنترنت والاكتفاء بالأقراص المدمجة CBT (Computer Based Training)، أو باستخدام شبكة الإنترنت WBT (Web Based Training)، بحيث يمكن للطالب تخزين المعلومات الضرورية على الكمبيوتر الشخصي، وتصفحها في وقت لاحق، مع إتاحة فرص الاتصال إلكترونيًا (بالبريد الإلكتروني) مع المشرف عليه (المعلم)، ومع زملائه من الطلاب، ومناقشتهم فيما لم يفهم، وعرض وجهة نظره في مسألة ما، من خلال الحديث في قاعات درس افتراضية أو ما يعرف بـ(غرف الدردشة) المخصصة لذلك، والمنفصلة عن غيرها. وإذا اقتضى الأمر يتم تحديد أوقات معينة للتخاطب بين جميع الأطراف بصورة فورية، ودون انتظار اطلاع الفرد على بريده الإلكتروني.
إلا أن تنفيذ هذه العمليات يحتاج إلى خبرة في التعامل مع هذه التقنيات الحديثة، إضافة إلى البعد النفسي، والمقصود هنا قدرة الفرد (الطالب) على تنظيم الوقت بمفرده، والالتزام بالمذاكرة دون ضغط خارجي، واحترام القيم الأخلاقية في استعمال الإنترنت، والقدرة على تحديد الحاجة من الإنترنت دون الخوض في تفاصيل لا تعنيه، علاوة على البعد الصحي، المتمثل في الاهتمام بارتفاع المقعد، وحجم شاشة الكمبيوتر وتعويد العين البقاء فترة طويلة أمام الشاشة، وتمارين لتدريب الأصابع على الكتابة... إلخ، كل هذه الأشياء يجب أن يتعلمها الأطفال منا نحن التربويين، والواجب علينا نحن توفير المناعة الكافية لدى طلابنا ضد الأضرار التي يمكن أن يتسبب فيها التعليم الإلكتروني، ومساعدتهم على معرفة الحدود الواجب الالتزام بها عند الخوض في العالم الكوني الرقمي، وتأكيد أن مهمتهم لا تنحصر في فهم ما يتعلق بالإنترنت، بل أن يتعلموا النقد والسؤال المستمر عن الجدوى والفائدة وحساب الخسارة، ويبقى السؤال الضروري أمام أعينهم: من المستفيد إذا فعلت ذلك؟ بحيث يزول الاعتقاد الخاطئ بأن العالم من حولنا موجود لخدمتنا فحسب.
وعند هذه النقطة نجدنا نعود من جديد للبعد الاقتصادي في التعليم الإلكتروني، لنؤكد أنه من البديهي ألا نسعى لأن تصبح المدرسة معملاً لتوفير احتياجات القطاع الاقتصادي. لكني أعتقد أن بعض المخاوف التي يثيرها الكثيرون مبالغ فيها، وليس لها مبررات قوية تدعمها، ويعرب الرافضون للتعليم الإلكتروني عن خشيتهم من أن يصبح المعلم قادرًا على تدريس 50 أو 500 طالب في الوقت نفسه، وبذلك تختفي المدارس بشكلها الحالي. ويتناسى هؤلاء أن التدريس عبر الإنترنت أكثر تكلفة وتعقيدًا من التعليم التقليدي. فبغض النظر عن التجهيزات التقنية اللازمة، وما تتطلبه من مبالغ باهظة، فإن تأهيل المعلمين للقيام بهذه المهمات المتعددة والمعقدة يقتضي دراسة أكثر شمولاً، وبالتالي أطول زمنًا، وأكثر تكلفة.
إن التعليم الإلكتروني يؤتي ثماره على المدى البعيد، حين ينتهي التلاميذ من دراستهم الجامعية، ويقتحمون سوق العمل، عندها ستظهر الآثار الإيجابية لهذا التعليم، لكنه على المدى القصير والمتوسط، يعني تكاليف لا حصر لها.
والخلاصة هي أن التعليم الإلكتروني لن يجعل من عمليتي التعلم أو التدريس أسهل من ذي قبل، بل على العكس يقتضي تطبيقه المزيد من الجهد لجميع الأطراف، قبل خوض مغامرة استخدام الإنترنت في العملية التربوية والتعليمية، ولكن نظرًا لأن الظروف المعيشية تزداد تعقيدًا يومًا بعد يوم، فإن الإنترنت يعكس صورة هذا العالم الجديد، وما من شك في أن دفن الرأس في الرمال لا يوفر الحصانة اللازمة تجاه عجلة التقدم التقني، بحيث لا نتأثر بها وتبقى بعيدة عن عالمنا. وأعتقد أهمية ما قاله عالم الاجتماع مانويل كاستلتس ـ في حديثه عن الإنترنت ـ عن ضرورة تعلم الثبات أمام «الفوضى المعلوماتية»، وانطلاقًا من هذا فإن التعليم الإلكتروني هو تحدٍّ للتربويين وللمجتمع بأسره، يجب تقبله وتعلم كيفية التعامل معه، قبل أن يجد المرء نفسه يكتب على جلد الماعز، والعالم من حوله يكتب بأقلام ضوئية (light pen)، ويستخدم جهاز حاسب محمولاً (لاب توب).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

المنتدى العام